العالم يدخل عقداً جديداً تحكمه حقيقتان قاسيتان: طفرة ديموغرافية تاريخية، وتشديد أوضاع المالية العامة.
إلا أن التوقعات الحالية تفيد بأن عدد الوظائف التي سيتم خلقها سيكون أقل بكثير. فالفجوة كبيرة—وهي آخذة في الاتساع. وتزداد حدتها مع كل صدمة، من النزاعات والصراعات والكوارث الطبيعية إلى التقلبات الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومات في مختلف أنحاء العالم في إطار حيز محدود في المالية العامة. فالديون مرتفعة، والنمو غير متكافئ، والضغوط على الموازنات العامة لا تزال في تزايد. إن حجم التحدي الديمغرافي تاريخي، بينما لا تزال الموارد العامة المتاحة محدودة.
ولا يستطيع أي بلد مواجهة هذا التحدي وحده. كما لا يمكن لأي نموذج تنموي تقليدي يعتمد في المقام الأول على الإنفاق العام أن يواكب هذا العبء.
لكن إذا تمكنت البلدان من خلق فرص عمل ووظائف على نطاق واسع، فإن ذلك سيؤدي إلى فوائد تتجاوز حدودها: نمو اقتصادي أقوى، وسلاسل إمداد أكثر قوة، ومزيد من الاستقرار . أما إذا أخفقت، فإن العواقب ستمتد أيضاً لتطال الجميع – من خلال تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وتصاعد ضغوط الهجرة، وتفاقم أوضاع الهشاشة.
والسؤال الذي يطرح نفسه ليس عمّا إذا كان هذا التحول سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، بل عن كيفية استجابتنا بحيث نُحوّل الضغوط الديموغرافية إلى فرص مشتركة.
جدير بالاعتبار أن هذا النهج يرتكز على ثلاثة عوامل أساسية: أولاً، الاستثمار في البنية التحتية المادية والبشرية؛ وثانياً، توفير بيئة أعمال تمكن الشركات من العمل والنمو؛ وثالثاً، جذب رؤوس الأموال الخاصة على نطاق واسع.
واللافت أن هذه الركائز تعزز بعضها بعضاً، ولكن من دون الركيزة الثانية - البيئة المواتية - لن تُترجم الاستثمارات العامة أو رؤوس الأموال الخاصة إلى وظائف.
ولهذا السبب، تُركز لجنة التنمية، وهي الهيئة الحاكمة في مجموعة البنك الدولي خلال اجتماعات الربيع على السياسات والشروط التنظيمية التي تشجع تأسيس الشركات، وتشغيلها، وتوسيع نشاطها، وزيادة فرص العمل ومعدلات التوظيف التي تساهم في خلقها. لذا، من المهم مواصلة التركيز على كل هذا حتى في أوقات الشدة.
إن البيئة المواتية لأنشطة الأعمال ليست مفهوماً نظرياً، بل واقعاً عملياً.
ويعني ذلك وجود قواعد واضحة، وتنظيم يمكن التنبؤ به، وعقود يتم تنفيذها، وتصاريح وتراخيص تصدر في وقتها، وأنظمة ضريبية سهلة الفهم، وأنظمة مالية توجه رأس المال إلى الاستخدامات الإنتاجية.
وعندما تتوافر هذه المقومات، تستثمر الشركات على اختلاف أحجامها. أما في غيابها، فيظل رأس المال معطلاً.
وتثبت الأدلة والشواهد، عبر المناطق ومستويات الدخل كافة، أن عدم اليقين التنظيمي لا يحدّ من النمو فحسب، بل يعوق الاستثمار.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة، لأن القطاع الخاص يخلق الغالبية العظمى من الوظائف. فدور الحكومات هو بناء الأسس، بينما يتولى رواد الأعمال والشركات توليد فرص العمل.
ولهذا السبب فإن البيئة المواتية تشكل عاملاً مضاعفاً للقوة؛ إذ إنها تحول المدخلات مثل الطرق، والطاقة، والمهارات إلى نواتج ملموسة تتمثل في نمو الشركات وفرص عمل للأفراد.
ومما لاشك فيه الإصلاحات المطلوبة ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل إجراءات عملية مفهومة على نطاق واسع.
وبالنسبة لرواد الأعمال والمشروعات متناهية الصغر، فإن ذلك يعني تبسيط إجراءات التسجيل، وتقليل العقبات البيروقراطية، وإتاحة الوصول إلى أدوات مالية أساسية تساعدهم على تجاوز حد الكفاف والانطلاق نحو آفاق نمو أرحب.
أما بالنسبة لأنشطة الأعمال والمنشآت والشركات الصغيرة والمتنامية، فإن ذلك يعني تيسير إجراءات إصدار التراخيص، ووضع نظام ضرائب يمكن التنبؤ به، وتحديد واضح لحقوق ملكية الأراضي، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى رأس المال العامل.
لكن بالنسبة للشركات الكبرى، فإن ذلك يعني أطر تنافسية تضمن انفتاح الأسواق، وأنظمة مشتريات شفافة، وإجراءات تجارية وجمركية تتيح الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وعلى الرغم من كل ذلك، تبقى الأساسيات هي الأهم: استقرار الاقتصاد الكلي، ووضوح القواعد التنظيمية وإمكانية التنبؤ بها، ووجود المؤسسات التي تقوم بالدور المنوط بها على النحو الأمثل. ومن دون هذه العوامل، تظل الشركات صغيرة بلا نمو، وتعمل خارج إطار الاقتصاد الرسمي، وتكون غير قادرة على خلق المزيد من فرص العمل والوظائف.
إن الدرس واضح وبسيط، فالاستثمارات تتدفق عندما تكون القواعد الحاكمة واضحة وشفافة ويمكن التنبؤ بها.
وتجربة السويد تؤكد أن التنافسية لا تعتمد على رأس المال وحده، بل أيضاً على جودة المؤسسات التي تنظّمه وتدعمه. فوجود قواعد واضحة، وإدارة عامة عالية الكفاءة، وبيئة أعمال تقلّل الاحتكاكات وتكفل تكافؤ الفرص لجميع أفراد المجتمع، هي ركائز أساسية للنمو.
وتعكس الجهود التي بذلتها السويد مؤخراً لتبسيط الأطر التنظيمية وتحسين إجراءات التراخيص مبدأً أوسع نطاقاً: فعندما تقلل الحكومات من عدم اليقين وتحسّن جودة التنفيذ، فإنها تسهل على الشركات الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل والوظائف.
ولا تقتصر أهمية هذه الدروس على السويد وحدها. ففي العديد من الاقتصادات النامية، لا تتمثل القيود المعوقة في الوصول إلى التمويل فحسب، بل في غياب اليقين التنظيمي وضعف القدرة على التنفيذ—كل هذا يعوق تحويل التمويل إلى استثمار، والاستثمار إلى وظائف وفرص عمل.
هنا تجدر الإشارة إلى أن مجموعة البنك الدولي تعمل على توسيع نطاق مثل هذه الإصلاحات بشكل منهجي ومنظم.
فمن خلال "بنك المعرفة"، نجمع خلاصة عشرات السنين من الخبرة حول ما ينجح وما لا ينجح. ومن خلال نماذج جديدة للتفاعل مع البلدان، نربط الدراسات التشخيصية بالإصلاحات على مستوى السياسات والتمويل في إطار برامج رصينة ومتكاملة تُركّز على خلق فرص العمل والوظائف والحد من الفقر.
ومن خلال أدوات مثل تقرير الجاهزية لأنشطة الأعمال؛ وتقرير المرأة وأنشطة الأعمال والقانون، نحدّد الفجوات التنظيمية التي تعوق النمو والمشاركة، ونتعاون مع البلدان لإزالة الحواجز التي تحد من الفرص الاقتصادية للمرأة.
إن الأمر لا يتعلق بإصلاحات ظرفية أو لمرة واحدة، بل ببناء أنظمة تُمكّن الشركات من النمو على المدى الطويل.
فالطفرة الديموغرافية المقبلة لا يمكن استيعابها عبر الموازنات العامة وحدها، كما لا يمكن التعامل معها من خلال أساليب عمل مجزأة.
إنها تتطلب شراكة قائمة على المصالح المشتركة وموجّهة نحو تحقيق النتائج المنشودة.
وهذا يعني مساعدة البلدان على إقامة مشاريع البنية التحتية، كما يعني، بالقدر نفسه، دعمها في إنشاء أطر تنظيمية تسهم في ازدهار الشركات والمشروعات وأنشطة الأعمال والمنشآت.
كما يعني توظيف الموارد العامة المحدودة وتعظيم الاستفادة منها لتقليل المخاطر وجذب رؤوس الأموال الخاصة، وفي نهاية المطاف، قياس النجاح لا بحجم التعهدات التي يتم قطعها، بل بعدد الوظائف التي يتم خلقها.
وإذا نجحنا في ذلك، يمكن أن يكون العقد المقبل عقداً تتسع فيه الآفاق والفرص، ويجد فيه الشباب عملاً منتجاً، وتنمو الاقتصادات، ويترسخ الاستقرار.
أما إذا أخفقنا، فلن تقتصر التداعيات على بلد واحد، بل ستطال ما حوله.
إن تحويل الضغوط الديموغرافية إلى رخاء مشترك يتطلب قدراً كبيراً من الانضباط، وشراكات فاعلة، وقيادة واضحة.
وهذا العمل يجب أن يبدأ الآن في إطار من التعاون والتآزر وتضافر جهودنا جميعاً.
نُشر هذا المقال في الأصل على الموقع الإلكتروني لـديفيكس.
انضم إلى النقاش