نشر في أصوات

المياه غير المرئية في الزراعة: دعامة أساسية للوظائف والتنمية الاقتصادية في المناطق الريفية

الصفحة متوفرة باللغة:
المياه غير المرئية في الزراعة: دعامة أساسية للوظائف والتنمية الاقتصادية في المناطق الريفية برنامج الإنتاجية الزراعية في غرب أفريقيا يسهم في بناء منظومة غذائية مستدامة في كوت ديفوار توفر فرص العمل وتصنع أغذية صحية يبيعها المزارعون ويتناولها الناس. تصوير: داسان بوبو / البنك الدولي

من المعروف أن الزراعة تلعب دوراً محورياً في خلق الوظائف والحد من الفقر، حيث يوظف هذا القطاع نحو ربع العاملين في العالم وما يقارب ستة من كل عشرة في البلدان منخفضة الدخل. وتعتمد المزارع بشكل أساسي على المياه، حيث إن معظم المياه العذبة التي تروي الحقول في العالم تأتي من الأمطار، وهو ما يدعم فرص العمل وسبل كسب العيش على نطاق واسع.

غير أن القليل يدرك أن جزءاً كبيراً من هذه الأمطار يأتي من الغابات.

وعلى مر التاريخ الحديث، كان الاعتقاد السائد أن الأمطار تنشأ أساساً من تبخر المحيطات. ولكن عالم برازيلي يُدعى إينياس سالاتي أثبت خلاف ذلك. ففي سبعينيات القرن العشرين، استخدم سالاتي خاصية حمل الماء بصمات نظائر أثناء مراحل التبخر والتكاثف والهبوط. ومن خلال تتبعه لهذه البصمات في عينات مياه الأمطار من ساحل المحيط الأطلسي إلى حدود بيرو، اكتشف أمراً مذهلاً: ما يقرب من نصف هطول الأمطار بالأمازون مصدره الغابات ذاتها.

تسحب الأشجار المياه من التربة عبر جذورها وتطلقها على شكل بخار من أوراقها، ويُطلق على هذه العملية النتح، والتي تمثل المكافئ النباتي للتعرق. وبعد ذلك يرتفع هذا البخار ليكوّن السحب، ثم يهطل كأمطار على مسافات قد تصل إلى مئات أو آلاف الكيلومترات في اتجاه حركة الرياح السائدة. ونحن نعلم اليوم أن النباتات على اليابسة، ومعظمها الغابات، تسهم بنسبة تصل في المتوسط إلى 45% من إجمالي الأمطار التي تهطل على الأراضي، مما يجعلها في نفس أهمية تبخر مياه المحيطات في استمرارية هطول الأمطار.

تدهور الغابات يؤدي إلى تراجع هطول الأمطار

تشهد الغابات تراجعاً سريعاً في مساحاتها، وهو ما ينطوي على تأثيرات كبيرة على هطول الأمطار، والزراعة، وملايين من الوظائف التي تعتمد على المزارع الناجحة. ففي المناطق المدارية وحدها، فُقد ما يزيد على 2.5 مليون كيلومتر مربع من الغابات منذ عام 2001؛ وتفوق هذه المساحة مساحة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا مجتمعة.

وقد كشفت دراسة حديثة وردت في تقرير  دفع عجلة التنمية عن تبعات إزالة الغابات المطيرة في الأمازون والكونغو وجنوب شرق آسيا على الدورة الهيدرولوجية، وعن الأثر الذي تلحقه هذه الظاهرة بالاقتصاد. فمن دون هذه الغابات، قد تصل الخسائر الاقتصادية الناتجة عن نقص الأمطار إلى 11.4 مليار دولار في أمريكا الجنوبية، و2.5 مليار دولار في جنوب شرق آسيا، و0.4 مليار دولار في أفريقيا سنوياً، لتطال هذه الخسائر الإنتاج الزراعي، وتوليد الطاقة الكهرومائية، والنمو الاقتصادي بشكل عام.

Image المصدر: الفصل الثاني من تقرير دفع عجلة التنمية: اقتصاديات كوكب صالح للعيش.

 

تتسم الأضرار بتفاوت عميق، فنحو 40% من المناطق في البلدان منخفضة الدخل تعتمد بشكل كبير على الأمطار المعاد تدويرها من الغابات، بينما تصل النسبة إلى 2.4% فقط في البلدان الغنية. ولما كانت الرطوبة عابرة الحدود، فإن المناطق الزراعية في 155 بلداً تعتمد على غابات بلدان أخرى كي تحصل على ما يصل إلى 40% من الأمطار السنوية.

الخزان الخفي للمزارع

ما الذي يحدث للمطر بعد تساقطه؟ يفترض الكثيرون أنه يتحول إلى المياه "الزرقاء" التي نديرها عادةً - في الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية - ولكن هذا لا يشكل سوى الثلث فقط. بينما يتحول ثلثا الأمطار المتبقية فوق اليابسة إلى مياه خضراء تُخزن في صورة رطوبة في الطبقة الجذرية للتربة، حيث يعود جزء منها إلى السماء. ومع ذلك، يُهمل هذا الخزان الخفي من مياه (رطوبة) التربة بشكل كبير في عملية صنع القرار ووضع السياسات، رغم أنه يدعم ما يقارب 75% من الإنتاج الغذائي العالمي ويغذي عملية النتح التي تُولد الأمطار القادمة.

يمثل ذلك أهمية بالغة لسبل كسب العيش لما يقرب من 500 مليون من صغار المزارعين وأصحاب الحيازات الصغيرة الذين يسهمون بنصيب كبير في إنتاج الغذاء العالمي. وتستهدف مبادرة تحويل القطاع الزراعي التي أطلقتها مجموعة البنك الدولي إلى دعم هؤلاء المزارعين من خلال مجموعة من الجهود التي تشمل الحلول الرقمية والاستثمار في المهارات وتعزيز الوصول إلى الأسواق. ومن الأهمية بمكان بالنسبة لهؤلاء المزارعين مساعدتهم على الربط بين الخيارات التي يتخذونها، وما يمكنهم المحافظة عليه من رطوبة ومياه في التربة، وما يرتبط بذلك من إنتاجية ودخل.

تسهم الغابات في مناطق أعالي الأنهار في الحفاظ على رطوبة ومياه التربة وتجديدها. كما تعمل مظلاتها على إبطاء سقوط الأمطار، وتساعد جذورها في توجيه سريان المياه إلى باطن الأرض، وتضيف المواد العضوية التي تفرزها خصائص إسفنجية للتربة تجعلها قادرة على الاحتفاظ بالماء وإطلاقه تدريجياً، مما يوفر مستودعاً طبيعياً يدعم المحاصيل لفترة طويلة بعد آخر هطول للأمطار.

تجدر الإشارة إلى وجود بحث جديد ورد في تقرير دفع عجلة التنمية المشار إليه أعلاه. هذا البحث وجد أنه في حال غياب غابات أعالي الأنهار التي تحافظ على رطوبة التربة وتحمي الاقتصادات من الجفاف، قد تصل الخسائر الاقتصادية في البلدان النامية إلى 379 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً 8% من إجمالي الناتج المحلي الزراعي العالمي.

علاوة على ذلك، ليس لجميع الغابات هذه القدرة نفسها: فالغابات الطبيعية القديمة والغنية بالتنوع البيولوجي أكثر كفاءة في الحفاظ على رطوبة ومياه التربة مقارنةً بالمزارع أحادية المحصول. وتتميز الغابات الطبيعية بكفاءة تزيد على ضعف كفاءة المزارع في الحد من التأثيرات الاقتصادية للجفاف. ففي الأراضي الجافة والقاحلة في بوركينا فاصو، أظهرت الأدلة والشواهد أن حتى الأشجار المحلية المتناثرة تحسن بشكل ملحوظ قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار وتخزينها، مما يساهم في دعم المحاصيل والماشية وسبل كسب العيش في المناطق الريفية.

Image المصدر: الفصل الثاني من تقرير دفع عجلة التنمية: اقتصاديات كوكب صالح للعيش.

 

من الجذور إلى هطول الأمطار

بالنسبة للبلدان النامية التي تعاني من عدم توفر موارد مالية عامة لإنشاء بنية تحتية مائية عالية التكلفة، فإن حماية الغابات والحفاظ عليها واستعادتها يسهم في توفير بديل فعال ومناسب من حيث التكلفة. هذا البديل يعزز الإنتاجية الزراعية، ويدعم توليد الطاقة، ويضمن استقرار النمو، مع آثار وقائية قوية في ظل الظروف الجوية القاسية.

واللافت أيضاً أن هذه الجهود تسهم في خلق فرص عمل. فالأنشطة البيئية ذات الكثافة العمالية مثل الحراجة واستعادة الأراضي الطبيعية تسهم في توفير ما يصل إلى 38 وظيفة لكل مليون دولار يتم استثماره، وهو معدل يتفوق على أي قطاع آخر.

الخلاصة هي ضرورة القيام بهذه الجهود على النحو الصحيح، لأن ارتكاب الأخطاء في عمليات الاستعادة يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. فالمحاصيل التي تزرعها ومكان زراعتها يمكن أن يحدث نتائج ملحوظة. وبالتالي، فإن زراعة نوع واحد من الأشجار قد تؤدي إلى تقليص التنوع البيولوجي وتعطيل دورة المياه. لكن الاستعادة التي تتناغم مع الطبيعة – من خلال حماية الغابات السليمة، وزراعة الأنواع الأصلية، والسماح بالتجدد الطبيعي – تتميز دائماً بقدر أكبر من الفاعلية وحسن الأداء مقارنة بزراعة صفوف من الأشجار من نوع واحد فقط.

يتطلب تحقيق هذه الأهداف أدوات فعالة على صعيد السياسات، من المدفوعات مقابل خدمات النظم الإيكولوجية إلى التمويل القائم على النتائج لعمليات الاستعادة، إلى جانب جهود حثيثة لمعالجة الحواجز الهيكلية التي تؤدي إلى إزالة الغابات. ويبدأ ذلك بفهم التناغم ومحور العلاقة والروابط بين الغابات والتربة والمياه والغلاف الجوي. ولطالما تم تجاهل هذه الروابط والاستهانة بأهميتها في السياسات العامة، ولكن الأدلة والشواهد الاقتصادية الآن تؤكد أن تجاهل هذه الروابط لم يعد ممكناً. 


ريتشارد دمانيا

رئيس الخبراء الاقتصاديين، مجموعة قطاعات الممارسات العالمية للتنمية المستدامة

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000