نشر في أصوات

مواجهة المشكلات البيئية في الموانئ والتغلب عليها

الصفحة متوفرة باللغة:
مواجهة المشكلات البيئية في الموانئ والتغلب عليها صناديق قمامة في أحد الموانئ. (مصدر الصورة: أدوبي)

تُعد صناعة الشحن البحري عاملاً حاسماً في تمكين التجارة الدولية، لكنها غالباً ما تكون بعيدة عن الأنظار وخارج دائرة الاهتمام. وقد سلطت جائحة كورونا الضوء على هذه الصناعة عندما شهدت التجارة الدولية طفرة كبيرة ساندها بقاءُ الناس في منازلهم وتزايدُ طلبهم على السلع الاستهلاكية. وأدى هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب على البضائع إلى إنهاك العديد من الموانئ، مما أدى إلى ازدحامها وتفاقم مستويات تلوث الهواء.  

وفي حين تُعد انبعاثات غازات الدفيئة وجودة الهواء غالباً ما تكون أبرز الشواغل البيئية في الموانئ، فإن عمليات الموانئ تؤثر أيضاً على جودة المياه، والنفايات، والتلوث البصري والسمعي، واستخدام الأراضي، والتنوع البيولوجيوأصبحت سلطات الموانئ وشركات تشغيل المحطات أكثر وعياً بالأثر السلبي الناجم عن أنشطتهم. فبينما كان الحكم على القدرة التنافسية للموانئ والتجارة في السابق يستند في الأساس إلى العوامل التقليدية، أصبحت الاستدامة البيئية تعتبر الآن معياراً رئيسياً للتميز. 

التركيز على السفن للحد من الانبعاثات في الموانئ 

تشكل الموانئ حلقة الوصل بين السفن ووسائط النقل الداخلي. فالسفن ومعدات المحطات والقطارات والشاحنات المتصلة بالموانئ تسهم جميعها في انبعاثات غازات الدفيئة في أثناء نقل البضائع من وإلى الميناء.  

وفي الموانئ، تأتي نسبة تتراوح ما بين 70 و100% من الانبعاثات من السفن في أثناء دخلوها وخروجها وحدها، تليها الشاحنات والقاطرات (بنسبة تصل إلى 20%). ونادراً ما تتجاوز عمليات الموانئ ذاتها 15% من إجمالي الانبعاثات، مما يعني ضرورة وضع السفن كمحور أساسي لجهود خفض الانبعاثات ، على الرغم من أنها لا تخضع للسيطرة المباشرة لسلطات الموانئ.  

وعلى الرغم من قدرة الموانئ على خفض انبعاثات غازات الدفيئة بشكل ملموس، يمكن تحقيق قدر أكبر بكثير من التخفيف من خلال تسهيل خفض الانبعاثات في مختلف قطاعات صناعة الشحن. 

تعزيز قدرة الموانئ على الصمود من خلال التكيف الإستراتيجي مع تغير المناخ 

تُعد المعلومات المتعلقة بمصادر الانبعاثات وكذلك الحلول المستندة إلى هذه المعطيات بالغة الأهمية لهذه الجهود. وفي هذا الصدد، يُقدم مكوّن الاستدامة البيئية في دليل إصلاح الموانئ الصادر عن مجموعة البنك الدولي تصوراً دقيقاً لمصادر الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة في الموانئ، كما يحدد آليات التخفيف من الانبعاثات على الجانبين البري والبحري للميناء.    

ويُظهر الدليل أن بإمكان الموانئ المساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية لقطاع الشحن البحري والاستفادة من هذا التحول؛ إذ يمثل تزويد السفن بالوقود الأخضر — الأقل انبعاثاً — وتوفير الطاقة الكهربائية البرية مدخلين رئيسيين لجهود إزالة الكربون. كما يمثل هذان المساران بوابةً لأنظمة الطاقة الوطنية لاستيراد موارد الطاقة الخضراء وتصديرها وتخزينها. ونظراً لكون الموانئ عرضةً لمخاطر ارتفاع منسوب سطح البحر، والرياح، والأمواج، وتقلبات درجات الحرارة والأمطار، فإنها تستفيد بشكل جوهري من جهود الحد من الانبعاثات ومن وضع خطط التكيف الإستراتيجية الكفيلة بالتأهب للاضطرابات المناخية والاستجابة لها والتصدي لآثارها.  

الحوكمة الفعالة للموانئ يجب أن تراعي التفاعل المعقّد بين أصحاب المصلحة   

أدت إصلاحات الموانئ في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى نقل عديد من المسؤوليات من السلطات العامة إلى شركات تشغيل خاصة؛ بهدف تعزيز الكفاءة التشغيلية ودعم الاستثمار في البنيتين التحتية والفوقية للموانئ. ومع أن ذلك أدى إلى تحسين الأداء، فقد تسبب أيضاً في تشتت السيطرة على العمليات والأصول، مما أضعف صلاحيات القطاع العام في الإشراف على الاستدامة البيئية.  

وتتطلب الحوكمة الفعّالة للموانئ مراعاة التفاعل المعقد بين أصحاب المصلحة، ومنهم سلطات الموانئ، وشركات تشغيل المحطات، وشركات الشحن، والجهات التنظيمية، فضلاً عن الأطراف الفاعلة غير المباشرة كالمجتمعات المحلية والمنظمات البيئية غير الحكومية. فمن شأن تباين أولويات هذه الأطراف أن يعوق التنسيق المشترك، ويُعقّد التطبيق المتسق للسياسات البيئية.  

تتطلب التحديات مثل التكيّف مع آثار تغير المناخ في الموانئ مستوى جديداً من التعاون بين السلطات الوطنية وسلطات الموانئ ومسؤولي الإدارة المحلية في المدن التي تقع فيها هذه الموانئ.  

إستراتيجيات إدارة المشكلات البيئية ذات الأولوية في الموانئ وآليات تنفيذها    

انطلاقاً من إدراك أن الموانئ تعمل ضمن سياقات اقتصادية واجتماعية وأطر حوكمة وبيئات طبيعية متنوعة، تبدأ خارطة الطريق بتقييم السياسات البيئية القائمة، إن وُجدت. وبالنسبة للموانئ التي تفتقر إلى إستراتيجية بيئية، يوفر مكون الاستدامة البيئية بدليل إصلاح الموانئ إرشاداتٍ عملية حول سبل صياغة هذه الإستراتيجية. 

وازدادت أهمية إعداد التقارير عن الجوانب البيئية والاجتماعية والمتعلقة بالحوكمة، حيث يجري حالياً استخدام أكثر من 600 معيار وإطار وتصنيف ونظام على مستوى العالم. ويؤكد هذا الانتشار على الحاجة إلى توحيد نُهُج إعداد التقارير وتنسيقها للحد من التعقيدات التي تواجه الشركات والمستثمرين والسلطات العامة، مع تعزيز الشفافية لسائر أصحاب المصلحة. 

وعندما ينتهي الميناء من تحديد التحديات البيئية التي يواجهها، يأتي دور بمكوّن الاستدامة البيئية المُدرَج في دليل إصلاح الموانئ، حيث يوفر أداةً لترتيب الحلول حسب أولوية تلك التحديات؛ وذلك باستخدام مصفوفة تُقيّم أثر خفض الانبعاثات مقابل التكلفة والجهد المطلوب.  

وبالاستعانة بهذه الأداة وغيرها، يمكن لسلطات الموانئ في جميع أنحاء العالم تحقيق إنجازات ملموسة في مجال تحسين كفاءة الأداء وتعزيز قدرة الموانئ على الصمود، بما يعود بالنفع على الجميع.  


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000