في قاعة مكتظة في أديس أبابا، ألقى طالب إثيوبي قصيدةً رسمت الملامح الأساسية للمشهد: التعلم تجربة إنسانية، والمعلمون هم القلب النابض لهذه التجربة. وقد شكَّل هذا المعنى دافعاً لحوارٍ حيويٍ امتد ليومين ضمن فعالية "المعلمون يشكلون المستقبل: تبادل عالمي للمعرفة حول إعداد المعلمين وتطويرهم" في الفترة من 3 إلى 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، التي استضافها البنك الدولي، ووزارة التعليم الإثيوبية، ومعهد أنظمة التعلم بجامعة ولاية فلوريدا، والمعهد الدولي لبناء القدرات في أفريقيا التابع لليونسكو.
وشهدت الفعالية حضور أكثر من 340 مشاركاً من 41 بلداً، من بينهم صُنّاع سياسات، ومُعدّو معلمين، وقادة مدارس، وباحثون، وشركاء في التنمية؛ وذلك للإجابة عن تساؤلٍ بسيط في صياغته، عميق في جوهره: كيف نُعِدُّ المعلّمين ونقدّم لهم الدعم الكافي لضمان حق كل طفل في التعلّم؟
وتركز النقاش على سبل إعداد المعلمين وتمكينهم طوال مسيرتهم المهنية، وذلك من خلال الإعداد الأولي للمعلمين، والتوجيه المهني في أشهرهم الأولى داخل الفصول الدراسية، والتطوير المهني المستمر، وإتاحة فرص القيادة المدرسية. وفيما يلي خمسة أمور نعرفها، وخمسة أمور نحتاج إلى معرفة المزيد عنها، وخمسة أمور يجب علينا القيام بها لتمكين المعلمين من التفوق ودعم نجاح الطلاب.
خمسة أمور نعرفها
- الإعداد الأولي عالي الجودة للمعلمين يسهم في تحديد التوقعات المرجوة والربط بين النظرية والتطبيق. ومن شأن وضع معايير واضحة قائمة على الكفاءات، وضمان مواءمة محتوى برامج الإعداد مع المناهج الدراسية، وتوفير تدريب ميداني عالي الجودة تحت إشراف موجهين، أن يضمن إعداد معلمين جاهزين للتدريس داخل الفصول الدراسية منذ اليوم الأول من مسيرتهم المهنية.
- التوجيه المهني يسهم في تسريع كفاءة المعلمين الجدد. فمن خلال توفير توجيه منظم بمساعدة موجهين مدربين، وتخصيص وقت مَحمِّي ومحدد للملاحظة، والتعليقات والمعلومات التقييمية، والتأمل الذاتي يمكن الحد من التسرب الوظيفي وتعزيز ثقة المعلمين بأنفسهم خلال سنوات عملهم الأولى.
- التطوير المهني المستمر يسهم في تحسين جودة التدريس عندما يكون ملائماً وقائماً على الممارسة الميدانية. من شأن التطوير المهني المستمر الذي يركز على المحتوى الدراسي والواقع داخل الفصول الدراسية، ويشمل التخطيط والتدرّب والتنفيذ، بالإضافة إلى أنشطة المتابعة كالتوجيه والإرشاد، أن يُحدث تحولاتٍ ملموسة وقابلة للقياس في أساليب التدريس ونواتج التعلّم.
- القيادة هي العامل المُضاعِف، فالقيادات المدرسية هي التي تقوم بتيسير تعلّم المعلّمين من خلال تخصيص الوقت وحمايته وتنظيم أنشطة التعاون بين الزملاء والأقران وبناء ثقافة التحسين المستمر.
- التقدير المهني يعزز الحافز للعمل والنجاح. يجب أن يتحول احترام المعلمين إلى تقدير ملموس، وتعزيز مستمر، وأجور عادلة ومكافآت لاستقطاب الكفاءات واستبقائها.
خمسة أمور لا زلنا بحاجة إلى تعلم المزيد عنها
على الرغم مما نملكه من معرفة واسعة، لا تزال هناك فجوات في معرفتنا بكيفية تزويد المعلمين بالمهارات اللازمة وتمكينهم على نحوٍ فعّال. وفيما يلي خمسة مجالات نحتاج إلى فهمها بشكل أفضل:
- التحسين على نطاق واسع. سبل توفير إعداد أولي عالي الجودة للمعلمين، وتوجيه، وتطوير مهني مستمر وواسع النطاق داخل الأنظمة الحكومية، خصوصاً عندما تكون الموارد محدودة، دون الإخلال بالجودة.
- الشواهد والأدلة على التنفيذ. تحديد نماذج تصميم التنسيب الميداني، والإرشاد والتوجيه، ومتابعة التدريب التي تقدم أفضل قيمة مقابل المال عبر السياقات المختلفة.
- استقلالية المعلم ورفاهيته. سبل ترسيخ صوت المعلم في التصميم واتخاذ القرارات، وحماية رفاهية المعلمين بطرق تسهم في تحسين الواقع العملي واستبقاء الكفاءات.
- الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. المتطلبات اللازمة من حيث البنية التحتية والتدريب والضمانات لتكون أدوات الذكاء الاصطناعي والتطورات التكنولوجية مفيدة حقاً للمعلمين ومنصفة للطلاب.
- تحقيق التوازن بين الانضباط الأكاديمي والملاءمة. سبل الحفاظ على المعايير الأكاديمية مع دعم التدريس باللغات المحلية، والفصول الدراسية متعددة الصفوف، وغيرها من الظروف الواقعية.
خمسة أمور يتعين علينا القيام بها
انتقل المشاركون في فعالية تبادل المعرفة سريعاً من طرح الأفكار إلى تحديد الالتزامات، حيث حددوا أهم خمسة إجراءات صرحوا بأنهم سيتخذونها نتيجةً لتبادل المعرفة، وهي كما يلي:
- تعزيز التعاون وإقامة الشراكات. إقامة الروابط أو توطيدها مع الزملاء والأقران، ومع «المستوى المتوسط» (الجهات الفاعلة على مستوى المناطق أو الأقاليم أو المستوى المحلي)، ومع الحكومة، وشبكات المعلمين الدولية، من أجل المشاركة في تطوير الحلول وتبادل الممارسات.
- الدعوة إلى التغيير وإصلاح السياسات. تعزيز التحول الذي يقوده المعلمون ونُهُج العمل المستندة إلى الشواهد والأدلة بالتعاون مع واضعي السياسات؛ والدفع باتجاه توفير تدريب شامل للمعلمين وتحسين مستوى الدعم المقدم لهم.
- تحسين وإعادة هيكلة إعداد المعلمين وتطويرهم. تحديث أو إعادة تصميم الإعداد الأولي للمعلمين والتطوير المهني المستمر من خلال دمج نماذج جديدة، والتصميم المشترك مع المعلمين، وتعزيز برامج التوجيه والإرشاد.
- تبادل المعرفة وتعميمها داخلياً. إحاطة الزملاء والفرق المسؤولة علماً بنتائج هذه الفعالية، وتعميم الموارد والشواهد والأدلة والأدوات والدروس المستفادة منها بهدف توسيع نطاق التعلم ليشمل مَن لم يشاركوا فيها بصورة مباشرة.
- تطبيق مفاهيم وأدوات محددة. تجربة أفكار عملية مثل الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في برامج الإرشاد والتوجيه، ودمج مفاهيم جديدة في الإعداد الأولي للمعلمين والتطوير المهني المستمر، واختبار النهج القائمة على الممارسة العملية، مثل "تعلّم التدريس عبر تعلّم كيفية التعلّم".
عندما يحصل المعلمون على إعدادٍ جيدٍ ودعمٍ مستمرٍ، تزداد فرص الأطفال في إتقان المهارات الأساسية والبقاء في المدرسة لفترة أطول. وتتراكم هذه المكاسب لتشكل حياةً أكثر صحة، ودخلاً مادياً أعلى، واقتصادات أكثر قدرة على الصمود. ولهذا يُعد الاستثمار في إعداد المعلمين وتطويرهم على نحو فعَّال استثماراً في مستقبل البلدان.
ولهذا السبب، فإن إستراتيجية البنك الدولي للتعليم والمهارات التي تركز على تزويد المتعلمين بالمهارات الأساسية اللازمة للعمل والحياة، تُقرّ بالأهمية الجوهرية للمعلمين. فإعداد المعلمين ودعمهم بدءاً من مرحلة الإعداد الأولي ووصولاً إلى مرحلة التوجيه والتعلم المهني المستمر، يُعد ضرورة لا غنى عنها لضمان إتقان كل طفل للمهارات الأساسية وبناء الكفاءات الرقمية والمهارات المتقدمة التي تتطلبها اقتصادات اليوم.
وفي أديس أبابا، استطاع الطالبٌ الشاعرٌ أن يختزل ما تعجز البيانات عن وصفه؛ ذلك الوعد الكامن في معلمٍ يعرفك جيداً، ويؤمن بقدراتك، ويدرك تماماً كيف يساعدك على اتخاذ خطوتك التالية. هذا الوعد هو جوهر نقاشنا، وهو السبب الذي يدفعنا لإبقاء المعلمين في صدارة المشهد كشركاء أصلاء في ابتكار الحلول. وبذلك، لن نُحدث تغييراً في الفصول الدراسية فحسب، بل سنبني رأس مالٍ بشرياً أقوى، مُعَلِّماً تلو الآخر، وبإعدادٍ ودعمٍ لا ينقطعان.
لمعرفة المزيد والاطلاع على مواد تبادل المعرفة الخاصة بالفعالية، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني: https://lsi.fsu.edu/Educators-Shaping-Futures.
انضم إلى النقاش