نشر في أصوات

من التنبؤات إلى التطبيق العملي: بيانات استخدام الذكاء الاصطناعي تكشف عن مستقبل أسواق العمل

الصفحة متوفرة باللغة:
من التنبؤات إلى التطبيق العملي: بيانات استخدام الذكاء الاصطناعي تكشف عن مستقبل أسواق العمل معلمة تستخدم جهازاً لوحياً (تابلت) في فصلها الدراسي. في البلدان متوسطة الدخل يتركز استخدام الذكاء الاصطناعي بين العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمهنيين المتخصصين في مجال التدريس. حقوق الطبع والنشر: Adobe Stock

حتى وقت قريب، واجه الباحثون الذين يدرسون تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل عقبة أساسية. فبدون وجود بيانات فعلية للاستخدام، كان عليهم الاعتماد على مقاييس نظرية لمعدلات "التعرض لتقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي [معدلات التعرض]"، حيث تمثل هذه المعدلات تقديرات تُظهر مدى تأثر المهن المختلفة بالتأثيرات التحويلية التي يحدثها الذكاء الاصطناعي. وقد ناقشنا تلك الدراسات في أعمالنا السابقة حول التعرض للذكاء الاصطناعي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. لكن ظل هناك سؤالٌ بالغ الأهمية لم تتم الإجابة عليه: هل تتوافق توقعات التعرض بالنسبة لهذه الوظائف مع كيفية استخدام الأشخاص للذكاء الاصطناعي في الواقع العملي؟
 

 التنبؤات تنجح إلى حد كبير في فهم الواقع بشكل صحيح

أعلنت شركة أنثروبيك Anthropic مؤخراً عن إصدار بيانات استخدام دون الإفصاح عن هوية المستخدم. هذه البيانات مأخوذة من عينة محادثات جرت باستخدام نظام كلود خلال أسبوع واحد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وتم تصنيفها حسب نوع المهمة عبر نظام O*NET، وهو نظام أمريكي لتصنيف المهام وربطها بالمهن. وقد ربطنا هذه البيانات بالمهن والبلدان لمقارنة مدى التعرض المتوقع للذكاء الاصطناعي مع أنماط الاعتماد الفعلية.

تشير أبرز النتائج إلى أن مؤشرات التعرض أثبتت أنها أدوات دقيقة بدرجة ملحوظة لتوقع الاعتماد الفعلي على الذكاء الاصطناعي في الواقع العملي. وأظهرت المهن ذات مستوى التعرض المنخفض بحسب التنبؤات معدلات استخدام متدنية بشكل عام، بينما سجلت المهن ذات التعرض المرتفع معدلات استخدام مرتفعة. وشهد عدد قليل للغاية من المهن وقوعها في الفئات غير المتوافقة من حيث معدلات التعرض المرتفعة والاستخدام المنخفض، أو العكس.

كما أظهرت الدراسة المتعمقة أن العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يتصدرون قائمة المستخدمين من حيث التعرض لتقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها. ويبدو أن هذا منطقي من الناحية البديهية، إذ يتمتع العاملون في هذا المجال بقدرة أفضل على الوصول إلى البنية التحتية التكنولوجية ويحققون زيادة فورية في الإنتاجية بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.

أما الفجوة بين المديرين فكانت أكثر إثارة للدهشة؛ فقد أتضح أن المناصب الإدارية العليا تتميز بتعرض كبير لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن استخدامها كان منخفضاً نسبياً. وقد تلعب عدة عوامل دوراً في ذلك: مثل المخاوف حول الخصوصية المتعلقة بالقرارات الحساسة المتعلقة بأنشطة الأعمال، أو القيود الزمنية التي تحد من التجريب، أو الثقافات التنظيمية التي لم تعمم فيها بعد مسؤوليات الذكاء الاصطناعي. وفهم أسباب عدم كون المديرين، الذين غالبا ما يتحكمون في قرارات اعتماد الذكاء الاصطناعي، مستخدمين نشطين لهذه التقنيات له أهمية بالغة لتوقع أنماط انتشار الذكاء الاصطناعي في المؤسسات.

Image

 

فجوة عالمية عميقة

تكشف البيانات الإضافية من مؤشر استخدام الذكاء الاصطناعي لدى شركة أنثروبيك Anthropic عن مستوى كثافة استخدام نظام كلود في البلدان بالنسبة إلى حجم السكان في سن العمل. وتشير القيمة التي تزيد على واحد إلى أن البلد يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من المتوقع وفقاً لحجم السكان في سن العمل، بينما تعكس القيمة التي تقل عن واحد ضعف استخدام الذكاء الاصطناعي مقارنة بالتوقعات بناءً على حجم السكان. وقد سجلت البلدان مرتفعة الدخل وحدها قيماً أعلى من واحد، بمتوسط بلغ 2.02، في حين أن بقية مجموعات البلدان جميعها انخفضت دون هذا الرقم. ويبلغ متوسط استخدام الذكاء الاصطناعي في البلدان مرتفعة الدخل أربعة أضعاف استخدام البلدان متوسطة الدخل، كما أنها الوحيدة التي تجاوزت المعيار العالمي الخاص بنصيب الفرد من الاستخدام.

Image

 

تجدر الإشارة إلى أن توزيع الاستخدام يختلف اختلافاً كبيراً أيضاً، حيث تصنف بيانات شركة أنثروبيك Anthropic استخدام نظام كلود حسب الوظائف المرتبطة به. ففي البلدان مرتفعة الدخل، يمتد استخدام نظام كلود عبر مختلف المهن، بينما في البلدان متوسطة الدخل، يتركز بشكل كبير في مهن محددة؛ إذ يشكل العاملون في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ما نسبته 48% والمعلمون 24% من إجمالي الاستخدام. ومعاً، تستحوذ هاتان الفئتان على نحو ثلاثة أرباع إجمالي استخدام الذكاء الاصطناعي في البلدان متوسطة الدخل، مقارنة بنسبة تفوق النصف في البلدان مرتفعة الدخل. ويبدو أن هذا التركز يعكس مزيجاً من تزايد الطلب وسهولة الوصول إلى هذه التكنولوجيا بين هؤلاء العمال مقارنة بغيرهم في البلدان متوسطة الدخل. وتتطابق هذه النتيجة مع بيانات تظهر أن أكثر من نصف المعلمين في العديد من البلدان متوسطة الدخل أفادوا بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل. وقد استبعدنا البلدان منخفضة الدخل من التحليل بسبب نقص الملاحظات والبيانات الكافية.

Image

 

ثلاث رؤى رئيسية لواضعي السياسات

استخلصنا ثلاثة استنتاجات أساسية من هذا التحليل الموجز:

  • أولا، مؤشرات التعرض لأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي لها أهميتها. فمؤشرات التعرض المهني لهذه الأدوات، مثل مقياس التعرض المهني للذكاء الاصطناعي، ترتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي. وهذا يتيح لواضعي السياسات استخدام هذه المؤشرات لتحديد العمالة والصناعات التي تواجه أكبر التأثيرات على الوظائف.
  • ثانيا، يتبع اعتماد الذكاء الاصطناعي نمطاً يمكن التنبؤ به. فقد أضحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي محط اهتمام المتخصصين المهرة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حيث يعتمدون استخدامها على نطاق واسع، ثم بدأت في الانتشار التدريجي إلى وظائف أخرى. وبينما تشهد البلدان مرتفعة الدخل عملية الانتشار بشكل جيد، نجد البلدان متوسطة الدخل في مرحلة البداية، أما البلدان منخفضة فتواجه صعوبة حتى في مرحلة البداية.
  • ثالثا، تستدعي الفجوة في اعتماد الذكاء الاصطناعي اتخاذ إجراءات مدروسة. فتركز استخدام الذكاء الاصطناعي في البلدان مرتفعة الدخل يشير إلى مخاطر تكوين شكل جديد من أشكال الإقصاء التكنولوجي. ومن دون تدخلات مدروسة، على سبيل المثال، الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية وتطوير المهارات وتهيئة بيئات سياسات مناسبة، قد تجد البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل نفسها أكثر تهميشاً في منظومة اقتصاد عالمي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

إن هذه النتائج لها دلالات عميقة بشأن رسالة مجموعة البنك الدولي وأجندتها المعنية بالوظائف. فمع توقع بلوغ أكثر من مليار شاب في البلدان النامية سن العمل خلال العقد المقبل، فإن فهم كيفية قيام الذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل أسواق العمل لا يعد مسألة أكاديمية فحسب، بل يمثل أولوية تنموية ملحة. ويكشف هذا التحليل أن الفجوة الواضحة في الاستخدام تظهر اعتماد الذكاء الاصطناعي في البلدان متوسطة الدخل بمعدل أقل بمقدار أربع مرات مقارنة بالبلدان مرتفعة الدخل، أما البلدان منخفضة الدخل فتجد صعوبة في مجرد البدء في الاستخدام، مما يشير إلى ظهور شكل جديد من الإقصاء التكنولوجي قد يزيد الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، خاصة في ظل زيادة التحديات الديموغرافية على نحو غير مسبوق. وإذا ظلت زيادة الإنتاجية المستندة إلى الذكاء الاصطناعي مقتصرة على الاقتصادات الأكثر ثراء، فقد تفقد البلدان النامية ميزتها التنافسية في الصناعات كثيفة العمالة بسبب الأتمتة وإعادة التوطين، مما يقوض إستراتيجيات النمو القائمة على التصدير التي نجحت تاريخياً في إخراج الملايين من دائرة الفقر.


غابرييل ديممبينز

مدير مشروع رأس المال البشري بالبنك الدولي

يورغ لانغبين

خبير اقتصادي في مجال التنمية، قطاع الممارسات العالمية للوظائف، البنك الدولي

مايكل ويبر

خبير اقتصادي أول، مشروع رأس المال البشري

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000