تُعد الوظائف أضمن الطرق للخروج من دائرة الفقر، غير أنها ليست متساوية أو متشابهة فيما بينها. فالوظائف الجيدة لا توفر الدخل فحسب، بل أيضاً الاستقرار والأمان والمنافع التي تؤدي إلى رفع مستوى معيشة الأفراد وتقوية المجتمعات المحلية.
وأصبحت هذه الفروق واضحة في مسح الحياة في المراحل الانتقالية الذي أجراه البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير بالتعاون مع البنك الدولي مؤخراً. وأظهر أكثر من نصف المشاركين في المسح (54%) أن كفاية الدخل تُعد أهم خصائص الوظائف الجيدة، يليها الاستقرار الوظيفي (23%)، وجودة بيئة وظروف العمل (11%)، والمزايا الوظيفية (5%). ومع ذلك، غالباً ما تغيب هذه الخصائص في أنماط العمل في القطاع غير الرسمي واسعة الانتشار في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
و تُظهر نتائج المسح أن توسيع نطاق الوصول إلى مزايا العمل الرسمي، مثل الإجازات المرضية وتعزيز الأمان الوظيفي، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسن الصحة النفسية وارتفاع مستويات الرضا عن الحياة. وهذا يؤكد حقيقة جوهرية، وهي أن الأفراد لا ينشدون مجرد الحصول على وظيفة، بل يتطلعون إلى العمل اللائق الذي يضمن لهم الحماية والاستقرار.
شمل مسح الحياة في مراحلها الانتقالية 37 بلداً تمتد عبر أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع إدراج ألمانيا كـبلد مرجعي للمقارنة. وتهدف هذه المقارنة مع الاقتصاد الألماني — بصفته اقتصاداً متقدماً — إلى تسليط الضوء على الفجوات القائمة في جودة الوظائف بين المناطق التي يعمل فيها البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير.
يُظهر المسح أن العمالة غير الرسمية — التي تفتقر عادةً إلى الحماية الأساسية — لا تزال منتشرة على نطاق واسع. ففي البلدان التي يعمل فيها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تفتقر 14% من الوظائف إلى عقود مكتوبة، و25% إلى إجازات سنوية، و30% إلى إجازات مرضية. كما أن أكثر من ثلث الوظائف في هذه المناطق لا يوفر معاشات تقاعدية أو تأمينات اجتماعية، بينما تتقلص فرص الحصول على هذه المزايا الوظيفية بشكل ملحوظ في منطقة جنوب وشرق البحر المتوسط وآسيا الوسطى.
لا تزال معدلات العمالة غير الرسمية مرتفعة حتى بعد تحييد أثر مستويات الدخل؛ إذ تبرز حالات لافتة في دول مثل الأردن والمغرب، حيث يفتقر ما يقرب من نصف القوى العاملة فيهما إلى عقود مكتوبة، وهي نسبة تتجاوز بكثير التوقعات المبنية على نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في هذين البلدين. وبينما تتركز العمالة غير الرسمية في قطاعات ومهن محددة، إلا أنها ليست قدراً محتوماً؛ حيث تُسجل أعلى معدلاتها في قطاعات الزراعة والإنشاءات والخدمات والمبيعات، ولا سيما في الوظائف منخفضة المهارات. ومع ذلك، فإن هذه القطاعات ذاتها في ألمانيا نفسها في ألمانيا لا تظهر ميلاً أكبر نحو الاقتصاد غير الرسمي مقارنة بغيرها من القطاعات.
ويؤكد المسح وجود ترابط وثيق بين تدني الأجور وغياب المزايا الوظيفية في البلدان النامية؛ ففي منطقتي أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينخفض احتمال حصول العمال ذوي الأجور المتدنية على معاشات تقاعدية أو إجازات مرضية وسنوية بشكل حاد. وفي المقابل، تظل إمكانية الحصول على هذه المزايا في ألمانيا مستقرة ومستقلة إلى حد كبير عن مستوى الأجر.
يُظهر المسح أيضاً أن العمال الشباب وموظفي الشركات الصغيرة هم الأكثر عرضةً للحرمان من المزايا الوظيفية؛ حيث يزداد احتمال افتقار الوظائف التي يشغلونها للحماية الاجتماعية. وفي المقابل، توفر وظائف القطاع العام بشكل عام قدراً أكبر من الاستقرار والمزايا، حتى في الحالات التي تتماثل فيها الأجور مع نظيرتها في القطاع الخاص.
ثمة حاجة ملحة لاعتماد نُهُج خاصة بالسياسات تكون مخصصة لتحقيق التوازن بين خلق فرص العمل والارتقاء بجودتها. ففي الاقتصادات التي تشهد نمواً متسارعاً في القوى العاملة، يبرز تحدٍ جوهري يتمثل في ضمان جودة الوظائف بالتوازي مع زيادة معدلات التشغيل. ومع تطور هذه الاقتصادات، غالباً ما ينحسر القطاع غير الرسمي؛ شريطة ألا تعوق الأطر التنظيمية نموَ الشركات أو فرصَ التوظيف، وأن تُصمَّم بكفاءة تحفز المنشآت على تقديم المزايا الوظيفية بدلاً من اللجوء إلى العمل غير الرسمي.
ويمكن أن يسهم تعزيز أنظمة التأمين ضد البطالة وتبسيط اللوائح التنظيمية والضريبية، خصوصاً للشركات الصغيرة، في تقليص النشاط غير الرسمي. كما يعد تحصيل الإيرادات العامة بكفاءة عاملاً حاسماً في هذا الإطار.
وفي الاقتصادات التي تشهد تزايد أعداد المسنين، يصبح الحدّ من العمالة غير الرسمية ضرورة لحماية السكان كبار السن. وبينما قد تؤدي أسواق العمل الضيقة في الاقتصادات التي تعاني انكماشاً إلى تخفيف المفاضلة بين كمية الوظائف وجودتها، فإنها توفر فرصة مواتية لتعزيز تقنين أوضاع الشركات وحماية حقوق العمال.
اقرأ المزيد حول جودة الوظائف وعدم تكافؤ الفرص والرقمنة ودعم التحول الأخضر في الإصدار الرابع من تقرير الحياة في المراحل الانتقالية الصادر مؤخراً.
انضم إلى النقاش